مينانيوزواير، دبي: صدرت رواية «تنفيسة» للكاتبة الإماراتية هبة الله إبراهيم المنصوري مؤخراً، وذلك ضمن إصدارات معرض القاهرة الدولي للكتاب، مقدّمةً عملاً روائياً ينتمي إلى السرد النفسي العميق، ويعكس اشتغالاً واعياً على الذاكرة والهوية وتشظيات الذات الإنسانية.

تقدّم رواية «تنفيسة» تجربة سردية تقوم على الغوص العميق في النفس الإنسانية، حيث لا تُبنى الحكاية على تسلسل الأحداث بقدر ما تتشكّل عبر التوترات الداخلية، والانكسارات الصامتة، والأسئلة التي تتراكم دون إجابات حاسمة. إنها رواية تعمل على المسافة الفاصلة بين الوعي واللاوعي، وبين ما يُقال وما يُخفى، لتجعل من الكتابة مساحة للفهم قبل أن تكون أداة للحكي.
تتمحور الرواية حول رهافة، كاتبة السير الذاتية التي تبدو منشغلة بتوثيق حيوات الآخرين، بينما تقودها رحلتها السردية إلى مواجهة ذاتها. بعد رحيل الأم، تتصدّع بنيتها الداخلية، وتبدأ مرآتها النفسية في التشقق، لتدخل في مسار معقد يتأرجح بين العقل والهشاشة، وبين ماضٍ يرفض أن يُغلق أبوابه ومستقبل لا يعلن حضوره بوضوح.
داخل هذا التشقق، تظهر ثلاث شخصيات ظل تمثل أصواتاً داخلية متباينة. امرؤ القيس يحضر بوصفه صوت العشق والاندفاع الأول، شاعرٌ عاشق يرى في الحنين والتمرد خلاصاً مؤقتاً. في المقابل، يبرز أبو الولد الميقاتي كشخصية براغماتية حادة، تمثل الفكرة حين تنفصل عن بعدها الأخلاقي، وتتحول إلى منطق يبرر القسوة باسم الواقعية. أما هشام أنيس، الفنان المكسور، فيجسّد الحساسية المفرطة والخيبة الوجودية، متردداً بين الإيمان والشك، وبين الرغبة في الخلق والخوف من السقوط.
إلى جانب هذه الأصوات الداخلية، توازن الرواية حضورها بشخصيات واقعية، أبرزها معاوية، الأخ الأصغر، الذي يشكّل نقطة ارتكاز إنسانية هادئة. لا يقدّم معاوية حلولاً، ولا يمارس دور المُفسِّر، بل يحضر كداعم صامت، يمنح السرد بعداً من الطمأنينة وسط الفوضى. كما تظهر شخصيات مثل يوسف، بما يحمله من رمزية مرتبطة بالاختيار والذاكرة، وأثير وزياد، كشخصيات تكميلية تُثري النسيج الاجتماعي والنفسي للرواية، وتكشف عن طبقات إضافية من التجربة الإنسانية.
في مرحلة لاحقة من الرواية، تأتي القصيدة «تنفيسة» بوصفها لحظة تكثيف شعري للتجربة السردية، لا في بدايتها بل في مسارها المتقدم، حيث يتحول الشعر إلى مرآة داخلية تعكس ما راكمه السرد من توتر وألم وأسئلة:
تَنفيسَةُ شَوقٍ في فُؤادِ امرِئِ القَيْسِ سَرَتْ
فَنَادَى أَبَا الوَلَدِ المِيقَاتِيَّ هِشَامَ أَنِيسِ
وَمُعَاوِيَةَ الحُلْمِ رَهَافَةَ القَلْبِ يُبْدِي
وَأَثِيرَ الهَوَى في عُيُونِ فَاتِنِ حَمَامَةَ يُمْسِي
لا تأتي هذه القصيدة كزينة لغوية، بل كذروة وجدانية، تختصر مسار الشخصيات وتعيد تأطير رحلتها النفسية، وبهذا، ترسّخ «تنفيسة» حضورها كرواية عن الذاكرة والهوية، وعن الكتابة حين تتحول إلى فعل نجاة ومساحة أخيرة للتنفس حين تضيق الطرق الأخرى.
